ثقافة الخوف في الجزائر… بلاد ضد ماضيها!

مشاهدة
أخر تحديث : الأحد 8 أكتوبر 2017 - 11:19 مساءً
ثقافة الخوف في الجزائر… بلاد ضد ماضيها!

سعيد خطيبي

في لحظة كنا نظن فيها أن الجزائر قد تجاوزت محنتها، وخرجت ـ بسلام ـ من سنوات التسعينيات الدامية، وتجنبت ـ بهدوء ـ مآلات الربيع العربي، ولم تسقط في حوض «العنف المنظم»، في وقت كنا نظن فيه أن سنوات الدم والتفجيرات والسيارات المفخخة قد امحت، وأن الماضي لم يكن سوى «سقطة متطرفة» لا أكثر ولن تتكرر.
في هذا الوقت بالذات، يستعيد التلفزيون العمومي، في الجزائر، مُشاهديه، يرفع من أسهمه ويتفوق على الفضائيات الأخرى المنافسة له، بعرض شريط وثائقي بعنوان «حتى لا ننسى». لم يكن شريطاً وثائقياً عادياً، بل كان أشبه ﺑ»حفلة ترويع» للمشاهدين، عُرضت فيه ـ لأول مرة ـ صور قاتمة من تاريخ البلد الحديث: أشلاء ضحايا، من نساء وأطفال وكُهل.. تضمن الشريط نفسه نسبة مركزة من تخويف المشاهدين، بصور تراجيدية، مُنتقاة بعناية. لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع أن التلفزيون العمومي سيتجرأ ـ يوماً ما ـ على عرضها. هكذا إذن، بحجة التنبيه للذكرى الثانية عشرة من المصالحة الوطنية (التي أنهت سنوات الإرهاب، لكن للغرابة، لم يحتفِ بها قط من قبل).
فتح التلفزيون العمومي ـ فجأة ـ بدون مقدمات، صندوق باندورا، كسب في الوقت نفسه مشاهدة واستياءً، تذكر ـ في توقيت غير مبرر ـ أن في خزائنه أرشيفا صادما من سنوات المجازر، وبقايا الموت، وراح يعرضها، في ساعة الذروة، على مشاهديه، بدون مُراعاة لما تحمله تلك الصور واللقطات من تجريح، ومن تأثيرات نفسية، سواءً على المشاهد أو على عائلات الضحايا، الذين عُرضت صورهم أو صور أهاليهم!
قبل شهر من الآن، كانت السلطة السياسية، في البلد، قد أعلنت صراحة هشاشتها المالية، وتراجع مداخيل الخزينة العمومية، ما قد يضعها ـ مستقبلاً ـ في صدام مع المطالب الاجتماعية والشعبية، وربما تكون هذه السلطة قد وجدت أخيراً مُسكناً ومُهدئاً للتخفيف من الضغط عليها، وجدت سبباً لتشتيت الأنظار تجاهها، استعانت بواحدة من خصائص الأنظمة القديمة: التخويف، وذكرت الشعب بمآسيه الماضية، كي ينسى مآسي الحاضر.
التخويف يصير لغة إعلامية، في الجزائر، بديلاً عن الإقناع، يصير مركزاً والباقي هوامش، ينوب عن الصوت وعن الصورة. التخويف يكاد يكون هو «الكلام المُباح»، هو اللغة الوحيدة، التخويف باعتباره إشارة إنذار، تنبيه للماضي، وتهويل لأحداث اعتقدنا أنها انتهت. كان يمكن للجزائري أن يتصالح، في هذه الفترة تحديداً، مع الفرح، أن يبتكر أكثر من سبب له، ليعيش في ظروف أفضل، أن يرفع سقف أولوياته وطموحاته، لكن حصل أن انقلب الأمر عليه، تسارعت أحداث، لم يعد قادراً على مجاراتها كلها، وفشلت الحكومات المتعاقبة، في تسيير الوضع كما ينبغي، فوجد نفسه يخاف من الفرح، مقموعاً من الداخل، مسيجاً بخطابات التخويف والتهويل، مجبراً على أن يتقبل مشاهد الترويع، ورسائل التذكير بأن الجحيم قريب، بأن أبواب الماضي ما تزال مفتوحة، وربما كان التلفزيون العمومي يخبر الجزائري المطحون أن الكابوس تعدد وتمدد، ويمكنه أن يتكرر، في أي لحظة من اللحظات. ناب الخوف عن الفرح، وتكورت الجزائر حول نفسها، صارت تلوح بماضٍ ممزق بالعنف، بدل أن تحمل تضميدات وتطمينات لشعبها.
«الخوف هو ذلك السلاح البدائي» كما كتبت بولين ميشال، الذي ـ في الغالب ـ سيُولد مخاوف أخرى، تنجم عنه مشاعر ثانوية، أو انزلاقات وتعقيدات نفسية. هناك خوف نعيشه، نتحمله، قد نواجهه بصبر وحيلة، وهناك آخر نتوقعه أو نحتمل وقوعه في كل حين، هو خوف مؤجل، مُعلق، لسنا نعرف سبب مجيئه ولا علته، هذا النوع من الخوف الاحتمالي، الغائب/ الحاضر، هو ربما ما كان التلفزيون العمومي، في الجزائر، يُريد إيصاله إلى مشاهديه، أن يبلغهم بأن الاحتمالات كلها مفتوحة وواردة، وأن أي حركة غير محسوبة، وكل «جرأة» في الخروج من الرسميات، التي ترسمها السلطة وإداراتها، سيتولد عنها انحراف وترويع وتهييج للنفسيات. هكذا إذن يصير الخوف عصا تمسكها السلطة، لبسط أحكامها وخياراتها على شعبها.
يمكن للخوف أن يكون نسبياً، أو عابراً، لكن في عُرف بعض الأنظمة السياسية يصير حتمية، سلاحاً، ملفاً جاهزاً، يخرج من الأدراج، كلما دعت الحاجة إليه. ربما تكون السلطة قد حفظت الدرس القديم كما يجب، راجعت كراريس الحكم، وفهمت المقولة الشهيرة: «خوف خصمك قبل أن يخوفك»، استغلت هذه السلطة التلفزيون العمومي (الذي يُسير من ضرائب ونفقات المواطنين) في واحدة من الأمسيات، التي يتحلق فيها الناس حول الشاشة، في بيوتـــهم أو في المقاهي، لتبث شريـــط التخويف، وترفع عصا التحذير وتهويل الأحاسيس، وتغذي مشاعر اللاأمان، وتضع المواطن البسيط، الذي يشقى لكسب عيشه، أمام ذاكرته الموشومة بالدم والموت والجرائم الجماعية، التي كانت تصنع يوميات البلد، قبل عقدين من الآن.
كلما تقدم الخوف تراجعنا، والعكس صحيح. الخوف سيحدد وجهتنا وقرارتنا، وكلما تخاذلنا تجاهه سيمدد في حدوده، سيوسع حضوره فينا، سيعشش في عقولنا، سيتطاول على أوهامنا وتخيلاتنا. الخوف من المجهول، من الاحتمالات غير المؤكدة، سيصنع ـ بالضروة ـ خوفاً وتخوفاً من المعلوم، وسيحيلنا الخوف إلى الانبهار بأشياء ثانوية زائلة، سنفتقد القدرة على التمييز، وعلى التفريق بين الأصل والفرع، سيحجب عنا النظر، ويمنع عنا فهم ما يدور من حولنا بدقة. الذكريات تلعب دوراً حاسماً في تنمية الخوف، في دواخلنا، أي محاولة للرجوع إلى الخلف، أو التلاعب ـ غير البريء ـ بأحداث مضت، سيكون له انعكاس سريع، في نفسية المتلقي، سيستنجد ـ مرة أخرى ـ بالخوف، حماية لنفسه ولذاكرته، سيخرج «شيطان» الخوف من محجره في كل مرة نستحضر فيها ماضٍ مؤلم سبق وعشناه، سننزلق للخوف، وننسى، في تلك اللحظة، أن الأسباب والعوامل، التي هيأت لحزننا، في السابق، قد اندثرت، ومن غير المنطقي أن تتجدد.
إن الخوف، مع ما يتصل به من خنوع، هو «طُعــــم»، مصيدة تنصبها أنظمة قديمة في سباقها المحموم للقبض على غضب الجماهير، فهذه الأنظمة السياسية، التي عجزت عن تجديد نفسها، لا تتعب من تكرار دروس منتهية الصلاحية، للحفاظ على كرسيها، وترهيب من يخرج عن حكمها، وربما هذا ما سعت إليه من خلال عرض شريط «لا ننسى..»!

٭ روائي جزائري

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة وهج نيوز الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.